الجمعة، 27 أبريل 2012

الحركــة - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الحركــة

صدق المثل الشعبي العامي القائل: في الحركة بركة
ونحن نري أنه منذ بدء الخليقة. أوجد الله الحركة في الكون
فالأرض تدور حول نفسها أمام الشمس دورة في كل يوم. ينتج عنها تتابع النهار والليل. وتدور دورة حول الشمس كل عام. يكون من نتائجها تتابع الفصول الأربعة...
تري ماذا كان يحدث لو لم تكن الأرض تتحرك؟!
هناك دورة أخري كل شهر بين القمر والأرض. ينتج عنها أوجه القمر. وهناك حركات أخري ودورات في عالم النجوم والكواكب الشهب والمجرات.. والعجيب في كل تلك الدورات أنها دائمة ومنتظمة.
***
الهواء أيضا يسخن ويبرد. وينتج عن هذا اختلاف في الضغط.
ثم يتحرك الهواء من منطقة الضغط الثقيل إلي منطقة الضغط الخفيف.. وتنتج عن ذلك الرياح
ونفس العملية تحدث بين البحر والأرض. وينتج عنها نسيم البحر ونسيم البر. كل ذلك يحدث طبيعياً دون تدخل من يد البشر.
والهواء حولنا يتحرك. والموج في البحر يتحرك. والسحب في السماء تتحرك. وهناك تحركات في باطن الأرض تنتج عنها الزلازل والبراكين والنافورات. وتحركات في الغيوم تنتج عنها الأمطار. وتحركات في جذور الأشجار تحت الأرض. وتحركات في فروعها وأوراقها من فوق. وتحركات للطيور في الجو. وللسمك في البحر
انها الطبيعة دائمة الحركة. وحركتها دليل علي وجودها.
***
الإنسان أيضا يتحرك. وحركته هي دليل علي الحياة فيه
وإذا بطلت حركة جسده. يكون حينئذ قد مات..
فنعرف أن الإنسان قد مات. حينما تتوقف الحركة فيه: فالقلب لا يتحرك. لا خفق ولا نبض. والمخ لا يتحرك. والنفس لا يتحرك. لا شهيق ولا زفير. والدم لا يتحرك في الجسد. وأجهزة الجسم كلها لا تتحرك.. وإذا بعدم الحركة تشكل الموت. فيهمد كل شيء ولا يعمل أي عضو فيه عملاً. لأنه لا يتحرك...
أما الحركة. ففيها حيوية. وفيها نشاط. وفيها حرارة...
***
عضو الجسد الذي يمر عليه وقت طويل بدون حركة. يصاب بالخمول. وقد يمرض وقد يعجز لذلك كانت هناك فائدة كبيرة للتمارين الرياضية. تحّرك الأعضاء. فتنشطها وتقويها كذلك باقي أجهزة الجسد. إن كان بعضها لا يتحرك.. فيحتاج إلي تنشيطه. كالموتور: حياته في حركته
قديماً كانوا يسمون السيارة أوتوموبيل.. وترجمة هذه الكلمة هي "المتحرك بذاته" لانه هناك عربات أخري تحركها قاطرة وتجرها.
***

الحرية في وجودها وفي حدودها - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الحريـــة
في وجودها..وفي حدودها

 ما أعظم الحرية. تغني بها الكتاب والفلاسفة والشعراء.
بها يتمتع الإنسان بإنسانيته. وبغيرها يشعر بالقهر والذلّ.
قرأت وأنا شاب مثلاً إنجليزياً يقول: إن فقدت كل شيء ماعدا الحرية. فأنت لا تزال غنياً
If everything - but liberty - is host, you are still rich.
والحرية لازمة للشعوب. كما هي لازمة للأفراد. من أجلها جاهدت الأمم إلي حد التضحية بدمائها. لمقاومة الاحتلال ومقاومة الاستعمار.
وفي بذل الحياة والدم لأجل الحرية قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وللحرية الحمراء باب :. بكل يد مضرّجة يُدقُّ
* * *
لقد خلق الله كائنات كثيرة بغير حرية. تقودها أنظمة موضوعة  لها. أو يقودها غيرها.. ماعدا الملائكة والبشر. فلهم حرية إرادة.
الشمس والقمر والنجوم مع علوها وعظمتها. تقود كل تحركاتها واتجاهاتها قوانين الفلك. والأرض أيضاً مقادة بنفس القوانين سواء في دورانها حول نفسها أو حول الشمس.
والرياح والأمطار. والحرارة والبرودة. والنور والظلمة. بل حتي البذار في باطن الأرض. والنبات فوق سطحها.. كلها مقادة بقوانين الطبيعة: لا تتصرف من ذاتها. بل حسب القانون الموضوع لها.
أما الحيوانات. فقد منح الله للإنسان أن يقودها. ويتصرف في حريتها. ليست المستأنسة منها فقط. بل حتي المتوحشة: يمكنه أن يصيدها. وأن يضعها في أقفاص.
* * *
* أما الاستثناء. فكان للملائكة والبشر: منحهم الله حرية..
لهم إرادة حرة.. بإمكانهم أن يطيعوا الله. أو أن يعصوه! وبحرية الإرادة سقط عدد كبير من الملائكة وصاروا شياطين.. وبهذه الحرية أفسدوا طبيعتهم. ومازالوا يعيثون في الأرض فساداً.
وبالحرية سقط الإنسان الأول. وطُرد من الجنة. ولا يزال في حريته يتأرجح بين ثنائية خطيرة: هي الخير والشر. الحلال والحرام. ما يجوز وما لا يجوز. وبالحرية يستمر في الشر. أو يتوب عنه.
هذه هي الحرية: في فائدتها. وفي ضررها.. ولا أقصد ضرر الحرية ذاتها. إنما الضرر في سوء استخدامها.

* مشكلة أخري في موضوع الحرية. وهي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان
كل إنسان حرّ. ولكن قد تصطدم حرية إنسان بحرية إنسان آخر. وهنا نري "تنازع الحريات". ورغبة ذات بشرية في ابتلاع ذات أخري. وسعي الواحد أن يظهر باختفاء الآخر. أو أن يملك بسلب الآخر. أو أن يقوي بإضعاف غيره. وهكذا وُجد التنافس. بل وُُجد الصراع. ووجدت الحروب أيضاً.
وفي نطاق هذه الحرية. قامت دولة علي دولة. وشعب علي شعب. وجماعة علي أخري. وصدق ذلك المفكر الذي قال:
كم من الجرائم حدثت باسمك أيتها الحرية!
* * *

الجَدّية - لقداسة البابا شنودة الثالث


الجَدّية

إن الجدية هي الفارق الأساسي الذي يميز الإنسان الناجح من الإنسان الفاشل. في شتي فروع الحياة.
فالإنسان الجاد يركز علي طريقه في الحياة. ويهتم بالوسائل التي توصل إليه. لا يميل عنها يمنة ولا يسرة. ويظل ثابتاً في ذلك حتي يصل إلي غايته. بكل نجاح وبلا توقف. هو كسفينة ضخمة تشق طريقها في بحر الحياة بقوة متجهة نحو غايتها. وليس كقارب تعصف به الأمواج والرياح في أي اتجاه.
والجدية هي دليل الرجولة والقوة والتصميم.
أمثلة للجديةش
وسنضرب أمثلة متنوعة للجدية في العمل :
فالتلميذ الجاد هو الذي يذاكر علومه الدراسية من أول العام. بكل مواظبة. وبفهم ومراجعة. ويكون مستعداً لكل سؤال فيها. ولا يكون هدفه هو مجرد النجاح. وإنما بالأكثر التفوق. ويمكنه بهذه الجدية في تحصيل العلم أن يصل أيضاً إلي النبوغ.
أما الطالب غير الجاد. فهو يهمل دروسه إلي نهاية العام. بل إلي قرب أيام الامتحان. ويجد الوقت لا يكفي. فترتبك نفسيته وأعصابه...
كذلك العامل أو الصانع الذي يتميز بالجدية. فإنه لا يهتم بمجرد الإنتاج. إنما تدفعه الجدية إلي الجودة والإتقان.
وفي جديته يضيف إلي كل ذلك: الدقة في المواعيد. والاعتدال في السعر. وحسن التعامل. فينجح في عمله. وتروج صناعته.
***
والجدية تظهر أيضاً في عمل كل من الكاتب والخطيب. والصحفي والمؤلف. وفي حياة العلماء جميعاً...
فرق كبير بين من يحضّر كلمته. ويرتبها وينمقها. ويجهد في جمع معلوماتها. ويقدمها سهلة في الفهم. وفي القبول... وبين من يتكلم ارتجالاً. بلا تحضير ولا ترتيب! وتظهر أفكاره مشوشة وناقصة. لأنها صادرة منه بغير جدية. وبغير احترام لعقول القراء أو السامعين...
وكما يحدث هذا مع رجال الفكر. يحدث المثل مع رجال العلم. فالذي يتناول العلم في جدية وعمق. ويحرص علي الارتفاع عن المستوي العادي. باحثاً ومقدماً شيئاً جديداً. علي قدر استطاعته.. هذا يصل إلي درجة العالم. وينضم إلي مجموعة العلماء. لأنه تناول العلم بطريقة جادة.
***

التأمّل - لقداسة البابا شنودة الثالث

التأمّل

التأمل هو نظرة عميقة للأمور. لا يعمل فيها الفكر وحده. بل الروح أيضاً. وأحياناً يكون التأمل موهبة روحية يستقبل بها الإنسان معرفة فوق المعرفة العادية.
وحينما يتأمل الإنسان شيئاً. يمعن النظر فيه. ويدقق ويفحص. ويحلل ذلك الشيء ليري ما أعماقه.
وللتأمل مجالات عديدة. لمن يريد أن يستشف ما توحي به.
هناك تأمل في كلام الله ووصاياه. وتأمل في الصلاة والتراتيل والألحان. وتأمل في الخليقة والطبيعة. وفي السماء والملائكة. وفي الموت والدينونة وما بعدها.. وهناك تأمل في الأحداث. وتأمل في الفضيلة عموماً وتفصيلاً. وتأمل في المطلق. في الحق وفي الخير. وتأمل في صفات الله الجميلة.. وموضوعات التأمل أكثر من أن نحصيها. والإنسان الروحي يستطيع أن يتأمل حتي في الماديات. ويستخرج منها بعض المعاني الروحية.
***
نتناول أولاً التأمل في كلام الله ووصاياه
إن كلام الوحي الإلهي عبارة عن روح متجسدة في ألفاظ
الكلمات هي مجرد غلاف. يغلف المعاني في داخله كالصدفة التي تحوي داخلها اللولؤ. واللؤلؤ هو روح الكلمات. فلا تكتفي بالصدف. بل اكشفه بالتأمل واستخرج ما فيه من اللآليء.
كما صلّي داود النبي وقال: "اكشف يارب عن عينيّ. لأري عجائب من شريعتك".
وبهذا يكون التأمل في كلام الله. هو محاولة لاكتشاف الأسرار الإلهية الموجودة في الوحي الإلهي. وليس مجرد الألفاظ. فكلام الله هو روح وحياة ويكتشفه الروحيون. ويحولونه إلي حياة يعيشونها..
وبالصلاة ينير الله تأملاتنا في وصاياه. فنقول له "بنورك يارب نعاين النور". وهكذا بهذه الاستنارة الروحية نهتف مع داود النبي قائلين "لكل كمال رأيت منتهي. أما وصاياك فواسعة جداً".
***

الالتزام..أفضل من الإلزام - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الالتزام..أفضل من الإلزام

يعيش مستريحاً ومطمئناً. من يتعامل مع إنسان ملتزم.
فالإنسان الملتزم يلتزم بكل كلمة يقولها. ولكل وعد يعد به..
ويلتزم بكل اتفاق يبرمه مع آخرين. وبكل نظام يخضع له. وبكل عهد بينه وبين الله. وكل وصية من وصاياه.. إنه يلتزم بمباديء معينة. وبقيم وأخلاقيات. وقواعد روحية يتبعها.
إن قال كلمة. يكون لها احترامها عند الناس ووزنها. بل تكون أفضل من أي اتفاق مكتوب وموثّق. بل حتي إن لم يقل كلمة. وإنما هزّ رأسه بعلامة الموافقة. يدرك الحاضرون تماماً أنه سوف يلتزم بهذه الموافقة. بدون إمضاء ودون شهود.
إنه الالتزام بالكلمة والوعد...
* * *
كذلك فهو يفي بكل نذوره التي نذرها. لأنها اتفاقات مع الله
نقول هذا. لأنه كثيراً ما يقع شخص في ضيقة أو إشكال. فيرفع قلبه إلي الله تبارك اسمه. وينذر نذوراً: إن نجيتني من هذه الضيقة. وحللت لي هذا الإشكال. سأفعل وأفعل... ولكنه بعد ذلك. إما أن ينسي هذا النذر. أو يماطل في الوفاء به. أو يحاول تغييره إلي شيء آخر.. أو أنه يقول مع الشاعر:
كم وعدتُ الله وعداً حانثاً :. ليتني من خوف ضعفي لم أعدْ
أما الإنسان الملتزم. فإنه يلتزم بكل نذوره ووعوده
* * *
الملتزم أيضاً يلتزم بتعهد الوظيفة وشرف المهنة
إن ضابط الحربية. وضابط الشرطة في حفل التخرج يتلو مع زملائه قَسَماً وتعهداً. يلتزم به في حياته العسكرية. وكذلك كل سفير جديد. وكل وزير جديد قبل استلام عمله يتلو أيضاً تعهداً وقسماً. وكل صاحب مهنة. عليه التزام من جهة شرف المهنة عليه الالتزام به. منه ما يسمي سرّ المهنة. كالمحامي والمحاسب في الحفاظ علي أسرار موكله.. والطبيب كذلك.
إنه الالتزام بشرف المهنة. والالتزام بالأمانة فيها
* * *
هناك أيضاً الالتزام بحفظ النظام العام
لعل منه الالتزام بقواعد المرور. فإننا نري أن كثيراً من الحوادث يكون سببها عدم الالتزام بالسرعة المقررة. أو في اتجاه المرور.
وفي النظام العام الالتزام بها تفرضه المطارات من تفتيش الحقائب والأشخاص. وما تفرضه الضرائب والجمارك من التزامات. وعدم التحايل للتخلص من استحقاقات الدولة مالياً بأنواع من الحيل. كثيراً ما يتحايل بها الأشخاص للتهرب من التزاماتهم.
* * *