الأربعاء، 9 مايو 2012

الشك - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الشك


الشك جحيم للفكر والقلب معاَ
قد يكون دخوله إلي الذهن سهلاً. ولكن من الصعب أن يخرج منه! 

والشك يجعل الإنسان يفقد سلامه. ويفقد طمأنينته
واذا استمر الشك. يتحول إلي مرض. وإلي عقد لها نتائجها.. وهذا الشك قد يتلف الأعصاب. ويدعو إلي الحرية وكثرة التفكير. ويمنع النوم. ومن نتائجه أيضاً التردد والخجل. وعدم القدرة علي البتّ في الامور.. وهو حالة من عدم الثبات وعدم الرؤية..
والشك علي أنواع كثيرة. منها الشك في الدين والله والعقيدة. والشك في الناس. وفي الأصدقاء بل الشك في النفس أيضاً. والشك في الفضائل. وفي امكانية التوبة. والشك في طريق الحياة.
***
أنواع الشك 
  
1.  منها الشك في وجود الله أو في بعض صفاته
وهذه حرب فكرية مصدرها الشيطان. وهي دخيلة علي الانسان. وربما تأتي في سن معينة. وقد يكون مصدرها بعض كتب الفلسفة. أو أفكار الملحدين ومعاشرتهم. أو المناقشة في أمور أعلي من مستوي قدرات الإنسان. أو من بحوث منحرفة في ما وراء الطبيعة: في بعض العلوم. أو في تاريخ الكون ونشأته. وقد يثيرها أشخاص بمبدأ "خالف تعرف"..!
وقد لا يكون الشك في وجود الله. وإنما في معونته ورحمته وحفظه. كإنسان يصاب بمرض خطير من الصعب الشفاء منه . وله آلامه الشديدة. فيشكّ في رحمة الله! أو انسان يقع في ضيقة معقدة. ويصلي من أجل النجاة منها. ولا يجد استجابة لصلاته. فيشكّ في جدوي الصلاة!
***
      2. الشك في العقيدة:
قد يكون هذا نتيجة التعرض لمشكلة تفسيرية لا يعرف الشخص لها حلاً فيشك. أو الدخول في مناقشة غير متكافئة مع محاور من عقيدة مخالفة. فيكون الشك هو نتيجة تلك المناقشة. وبالمثل قراءة كتب أو نبذات لعقائد أخري تثير الشك أيضاً..
ويحدث هذا كله مع أشخاص غير راسخين في عقيدتهم. أو غير دارسين لها. وعلاج هذا الأمر هو الرجوع لذوي المعرفة والخبرة.
ونلاحظ من جهة العقيدة موضوع المعجزات التي قد لا تحدث للبعض بسبب الشك. بينما تحدث للبسطاء الذين يصدقونها. وعموماً فإن المعجزات قد يشك فيها الذين يبحثونها من الناحية العلمية البحتة. وليس من جهة الإيمان الذي يقبلها..
ومثل المعجزات موضوع قيامة الأموات. وما يتعلق بالخلق من العدم. وبالوحي. وما أشبه..
***

الروح - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الروح


كما خلق الله المادة. خلق أيضا الروح وعالم الأرواح..
الملائكة أرواح لهم طبيعة خاصة لا علاقة لها بالمادة. ولها قدرات هائلة وعجيبة. تنتقل بين السماء والأرض تنفذ مشيئة الله حيثما يرسلها.
وهي أرواح طاهرة بارة. تسبح الله وتمجده. وتمثل القوات السمائية.. والشياطين ايضاً أرواح غير أنها أرواح نجسة شريرة.
وقد كان الشياطين ملائكة وسقطوا. فقدوا قداستهم. ولكنهم لم يفقدوا طبيعتهم. فمازالت لهم قوة.. لقد عصوا الله.. ولم يكتفوا بهذا بل يحاولون إغراء البشر علي عصيان الله ايضاً.
أما البشر فهم طبيعة فيها الروح وفيها الجسد المادي ايضاً.
***
والإنسان العادي يعيش في صراع بين الجسد والروح. يقاوم أحدهما الآخر.
أحيانا يسلك حسب الروح فيحيا في البر.. وأحيانا يسلك حسب الجسد. فيسقط في الخطيئة ويتحول إلي إنسان مادي. وأحيانا يتأرجح بين الحالين. فيسقط ويقوم وقد عبر ايليا أبو ماضي عن هذه الحالة في قصيدته الطلاسم. فقال:
انني ألمح في نفسي صراعاً وعراكاً               وأري نفسي شيطانا واحيانا ملاكا
هل أنا اثنان يأبي هذا مع ذاك اشتراكا            أم تراني واهماً فيما أراه؟ لست أدري
نعم. هو هنا واهم فيما يراه.. فالإنسان كيان واحد مع تنوع تكوين عنصريه: الروح والجسد. ويمكن ان يعيش الاثنان في وحدة وتعاون أو في تكامل. في حياة روحية بارة.
***
في الحياة الروحية يخضع الجسد لمشيئة الروح. ويخضع الاثنان معاً لمشيئة الله
يخضع الجسد للروح. لأن الروح من طبيعة أسمي. وايضاً ابقي واقوي.. فهي تبقي بعد ان يتحول الجسد إلي تراب.. وتظل باقية حتي تعود إلي الجسد في القيامة العامة والذي يسلك حسب الروح في حياة طاهرة. يستطيع بهذا أن يقوي روحه حتي تنتصر علي الجسد اذا انحرف.. وفي نفس الوقت تنتصر علي المادة والخطيئة والشيطان.. والسلوك الروحي له جانبان سلبي وايجابي. فمن الناحية السلبية يقاوم انحرافات الجسد بحياة التوبة. أما الجانب الايجابي فهو السير في حياة الفضيلة والبر. والنمو في هذا الطريق الروحي. مع استمرار النمو حتي يصل الإنسان إلي حياة الكمال النسبي. حسبما تستطيع القدرة البشرية. وحسبما يمنحها الله من نعمة.


الروح والحرفية - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الروح والحرفية


كثير ما يقع بعض الناس في مشاكل. ويوقعون غيرهم في مشاكل. لأنهم يهتمون بالحرفية وليس بالروح!
منذ أكثر من خمسين عاماً. كان أحد رؤساء المصالح في خلاف شديد مع الموظفين. وكانوا يكرهونه جداً. فجاء يعرض مشكلته عليّ. وقال لي: "لست أدري لماذا يكرهني هؤلاء. بينما لم أتصرف معهم أي تصرف يكون ضد القانون؟!" فقلت له إن مشكلتك أنك لا تتصرف معهم إلا بالقانون وليس بالحب. كما أنك تعاملهم بحرفية القانون وليس بروحه!!".
وقلت له أيضا إن القانون أعطاك سلطة عليهم. والله تبارك اسمه أعطاك عقلاً به تحسن استخدام السلطة في حكمة.
والسلطة في روحها أعطيت لتنظيم العمل. وليس للسيطرة.
مدير آخر في سوء استخدام سلطته. فقد هيبته علي مرءوسيه. وكانوا لا يطيعونه أحياناً..! فقال لأحدهم في انتهار "ألا تعلم أنني رئيسك؟!" فأجابه ذلك الموظف في جرأة "أنت لست رئيسي. بل أنت رئيس فقط علي هذه الأوراق التي علي مكتبي.."
***
كلنا نخضع للقانون. ولكن القانون يُفهم بروحه وليس بحرفية نصوصه.
لذلك توجد للقانون مذكرة تفسيرية. توضّح الهدف منه. وحدود تنفيذه. والحالات الاستثنائية الخاصة به. وذلك حتي لا ينحرف البعض في فهمه. ويفسره أو يطبقه بطريقة خاطئة..!
نعم. ما أكثر ضحايا التطبيق الخاطئ للقانون. الذي يصبح فيه سيفاً علي رقاب البعض. وليس ميزاناً توزن به أعمالهم..!
وما أكثر الذين يبحثون عن بعض الضوابط في تنفيذ القانون ليجعلوها عقداً أو عراقيل!
وما أكثر الذين يفتشون عن ثغرات معينة في أي قانون. ليتخذوها وسيلة للهروب من القانون نفسه. وقد يحكم القضاء بأمر ما. ويقوم البعض بإشكالات تمنع التنفيذ. وللأسف بنصوص أخري من بعض القوانين!
ولكل اولئك نقول: أين روح القانون؟ وأين هيبته؟
***
هناك حكم يقول "القاتل يُقتل". ولكن القضاء في عدالته لا يأخذ بحرفية هذا المبدأ. إنما يراعي روحه بكافة التفاصيل.
فيدرس القضية وظروفها. وهل حدث القتل عفواً أو عرضاً أو خطأً أو سهواً. أو عن طريق الإصرار والترصد وسبق الإعداد وإحكام الخطة؟ وهل القاتل كامل العقل أم مختل أم مجنون؟ وهل وقت ارتكاب الجريمة كان في كامل إرادته وحريته؟ أم كان مرغماً أو مضطراً أو مستفزاً أو محرضاً من غيره؟ وهل ارتكب الجريمة دفاعاً عن النفس. أم دفاعا عن الشرف. أم دفاعاً عن غيره؟ أم بقصد الحقد أو الانتقام أو السرقة أو بنية خبيثة؟..
وبعد فحص القضية من كافة نواحيها وحيثياتها. ودراسة حالة الجاني من حيث عقليته ونفسيته وإرادته ونيته. وبعد سماع الشهود ومرافعة النيابة والدفاع.. أخيراً يحكم القاضي بالإعدام أو بالسجن. أو بالبراءة أحياناً. أو بالإيداع في مستشفي الأمراض العقلية.
إن الأمر ليس مجرد حرفية القانون بقتل القاتل. إنما بروح القانون الذي يدرس ويحقق قبل أن يحكم.
***

الرغبات والخوف - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الرغبات والخوف


الإنسان المتدين تكون رغبته الأولي والعظمي هي الله. وباقي رغباته داخلها. كما تكون رغباته سبباً في سعادته وسعادة غيره كما أنه يحذر من أن يعيش في جحيم الرغبات. أعني الرغبات المادية وسائر الرغبات الخاطئة التي تستعبد من يخضع لها.
بحث أحد الحكماء في أسباب السعادة والشقاء. فوصل إلي حقيقة عميقة في فهمها وهي:
إن سبب الشقاء هي وجود رغبة لم تتحقق..
***
فقد يعيش الإنسان فقيراً. ويكون سعيداً في نفس الوقت. ولكن إن دخلت في قلبه رغبة في الغني ولم تتحقق. حينئذ يتعب ويشقي.. وهكذا قد يكون الإنسان مريضاً. وأيضاً راضياً وشاكراً. يزوره الناس فيقابلهم في بشاشة وابتهاج. لايشقيه المرض. لكنه يبدأ في التعب إن دخلت في قلبه رعبة في الشفاء. أو في الشفاء السريع. ولم تتحقق. أو عرف من طبيعة المرض إنها لن تتحقق.
إن رحلة الرغبات داخل القلب تتعبه وتضنيه. وترهقه وتشقيه.
فهو يشتاق. ويشقي في اشتياقه. يريد ويجاهد في تعب لكي يصل. يعدّ العدة. ويلتمس الوسائل. يفكر ويقابل ويكتب ويشكو. ويروح ويجيء. ويسعي ويتعب في سعيه. ويشقي في سعيه وتعبه.
***

الذكاء - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الذكاء عناصره ومعطلاته


عناصر الذكاء
نقابل في حياتنا كثيراً من الأذكياء في شتي فروع المجتمع وأنشطته: يتميز أحدهم بصفة معينة تدل علي ذكائه. ويتميز غيره بصفة أخري. وقد تجتمع كل صفات الذكاء في إنسان واحد. ينطبق عليه قول الشاعر:
وليس علي الله بمستصعب                                   أن يجمع العالمَ في واحدِ
فما هي صفات الإنسان الذكي؟ أو ما هي العناصر التي تتكون منها صفة الذكاء؟ وما نوعية عقلية أولئك الأذكياء؟
***
ہ أول صفة للإنسان الذكي هي الفهم:
وتشمل هذه الصفة: سرعة الفهم. وسلامة الفهم. وعمق الفهم.. فالإنسان الذكي يفهم بسرعة. لا يحتاج إلي شرح كثير لكي يفهم. ولا إلي وقت طويل لكي يدرك المقصود. يقال عنه بالعامية "يفهمها وهي طايره". ويبالغ البعض فيقول "ويفهمها قبل ما تطير".
كما أنه يفهم بطريقة سليمة. لا خطأ فيها ولا لبس. ويفهم الأمور بدقة وبعمق. يشمل كل التفاصيل. وكل النتائج.
ہ وهو في ذكائه وفهمه. إنسان لماّح.
يلمح الفكر المقصود. ولو من بعيد.. يستطيع أن يدرك ما يريده غيره. حتي دون أن يتكلم هذا الغير. فإنه يفهم ما يريده محدثه: من ملامح وجهه. من نظرات عينيه. ومن لهجة صوته. ومن حركاته. ومن نوعية كلماته. وإن قرأ. يستطيع أن يلمح ما وراء السطور. وما يوحي به أسلوب الكتابة.. بل يدرك أيضاً نفسية الكاتب وأهدافه.
***
ہ والإنسان الذكي يتميز أيضاً بأنه قوي الاستنتاج
يستطيع أن يستنتج. وبعمق. فيخرج بنتائج مما أمامه. وتكون نتائج سليمة. ويحوّل الجزئيات إلي كليات. ويستخرج من التفاصيل بعض القواعد. ويتوقع ما يمكن أن يحدث قبل أن يكون.
وفي ذلك يتميز بالفراسة. وينصح بناء علي ما يتنبأ به...
وهو في ذكائه وفراسته وفهمه. يمكن أن يدرك حقيقة شخصيات من يلتقي بهم. ومفاتيح شخصياتهم. والأسلوب الذي يتفاهم به معهم. بما يستعمله من تلك المفاتيح.
ہ والإنسان الذكي يتصف أيضا بسرعة البديهة
فهو يجيب بسرعة علي أي سؤال يوجه إليه. أو يعلّق تعليقاً سريعاً ولكن عميقاً فيما يعرض عليه من أمور...
***