الجمعة، 11 مايو 2012

العطاء عند الله والناس - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث


العطاء عند الله والناس


الله المعطي
من صفات الله العطاء. فهو قد أعطي. ويعطي باستمرار. هو يعطي دون أن نطلب. ويعطي فوق ما نطلب. ويعطي بسخاء يعطينا ما نحتاجه. ويعطينا ما نعطيه. ويعطينا موهبة العطاء ونحن لا نملك ما نعطيه. فكل عطائنا هو من عنده. من خيره ومن جوده. حتي الرغبة في العطاء. يعطيها لنا. وحينما نعطي حقوق الله علينا. إنما نقول له "منك الكل. ومن يدك أعطيناك".
وعطايا الله تشمل كل خليقته. فهو يشبع الكل من رضاه.
إنه يعطي البشر. ويعطي كل الكائنات الحية. ويعطي الطبيعة أيضاً.. إنه الله المعطي حتي الحشرات لم تُحرم من عطائه.. فعلاقة الله بالخليقة بدأت بالعطاء. وكيف ذلك؟
* * *
أول عطية وهبها الله لنا. هي نعمة الوجود
منذ الأزل كان الله وحده. تمجده صفاته ثم شاء الله من جوده. أن يخلق كائنات أخري. وهكذا أنعم بالوجود علي غير الموجود. شاءت إرادته. فكان كل شيء.. ولو لم ينعم الله علينا بالوجود. لبقينا عدماً..
خلقنا وهو غير محتاج إلينا. فمن طبيعة الله أنه لا يحتاج إلي شيء. ولهذا يمكننا أن نخاطبه قائلين: لم تكن أنت يا رب محتاجاً إلي عبوديتنا. بل نحن المحتاجون إلي ربوبيتك...
وقبل أن يعطينا الله نعمة الوجود. أعطانا الطبيعة لخدمتنا ولراحتنا. أقام لنا السماء سقفاً. ومهد لنا الأرض كي نمشي عليها. أعطانا الشمس والقمر والنجوم لأجل الضياء. وأعطانا الماء والهواء والطعام. ولم يتركنا معوزين شيئاً..
* * *
وكما أعطانا الوجود. أعطانا الحياة. وأعطانا العقل
أعطانا الحكمة والنطق. أعطانا الفهم والذاكرة والاستنتاج. بل أعطانا القدرة علي الاختراع. لكي ندبر لأنفسنا ما نحتاج إليه. أعطي الله العقل. حتي للذين يستخدمونه ضده..! حتي للملحدين الذين استخدموا عقولهم لإنكار وجوده. وللأشرار الذين استعملوا عقلهم في كسر وصاياه الإلهية. وفي الدهاء والخبث وفي التآمر علي غيرهم.. ولم يسحب الله نعمة العقل منهم! أعطي الله العقل والحكمة للبعض. فاخترعوا اختراعات مذهلة. تكبّر قلبهم بها. وظنوا أنهم مثل الله يخلقون!! بينما الله هو وحده الخالق. لأنه يُوجد أشياء من العدم. أما البشر فهم مجرد صناع. يصنعون من المواد التي خلقها الله. ويستخدمون في ذلك العقل الذي وهبهم الله إياه
* * *

الخميس، 10 مايو 2012

العثـرة - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث



العثــرة أو الغوايــة


ما أخطر أن يتسبب انسان في إسقاط غيره!
إن الله يطالبه بنفس من أسقطه..
وطريق هذه الخطيئة متشعب جدا. فهو يشمل معرفة الخطية. أو تسهيل الخطية. أو مذاقة الخطية. ومن يقود الي كل ذلك. وأيضا تقديم الخطية بمفهوم مخادع. كأن تقدم باسم فضيلة. أو يسهب في شرح "فوائدها" ومنافعها وفوائها.. إنه نوع من الإغراء..
***
معرفة الخطية
أي أن يعرف الإنسان أموراً تضره روحياً. وما كان يعرفها من قبل.
وهكذا تدخل في ذهنه معارف تدنس فكره..
أو تجلب له شهوات تسقطه في الخطية. وتفتح عينيه علي أمور تحدث في قلبه أو عواطفه أثراً معثراً. كشاب بسيط يتفتح ذهنه علي موضوعات جنسية ما كان يعرفها. أو كأن يقابله صديق فيصب في أذنيه معلومات تشوه سمعة شخص آخر. فيأخذ فكرة سيئة عنه تغير من معاملته له. أو تكون المعلومات المقدمة له ذات طابع ديني تجلب له شكوكاً عقائدية.
فيخرج هذا الإنسان من مقابلة ذلك "الصديق". وهو يقول في قلبه: "ليتني ما قابلت فلاناًَ. وليتني ما سمعت ذلك الكلام..!"
***
ويدخل في هذا النطاق تأثير البيئة المنحرفة. وما تقدمه من أفكار..
وتنطبق عبارة "المعاشرات الرديئة تفسد الاخلاق الجيدة.."
وهكذا بالعثرة من جانب. وبالانقياد الي العثرة من الجانب الآخر. يتعلم الشخص أحياناً ألواناً من التحايل والمكر ما كانت تخطر له علي بال. ويعرف التلميذ طرق التزويغ من الدراسة. وكيفية الغش في الامتحان. والوسائل التي يضايق بها مدرساً حتي يخرجه عن صوابه..
وهناك أطفال تستخدمهم عصابات. فتعثرهم وتعلمهم الفشل. أو شباب يجتمعون معاً. والجديد منهم يعلمونه تعاطي المخدرات أو لعب القمار.. كلها عثرات. ولتفاديها قال المزمور "طوبي للإنسان الذي لم يسلك في مشورة الأشرار. وفي طريق الخطاة لم يقف. وفي مجلس المستهزئين لم يجلس".
***

الأربعاء، 9 مايو 2012

الضمير - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الضمير والعوامل المؤثرة عليه



الضمير صوت داخل الإنسان يرشده إلي ما ينبغي عليه أن يفعل. ويبكته إذا أخطأ. ويرضي عليه إن أحسن وأجاد ولكن الضمير قد يتوقف أحيانا عن العمل. وتقود الإنسان عوامل أخري. تزيح الضمير جانبا. وتتولي هي قيادة الإنسان!.
والضمير كان موجودا قبل الشريعة المكتوبة
قبل أن يقدم الله للبشرية أقدم شريعة مكتوبة علي يد موسي النبي. ولذلك فالبعض يسمي الضمير بالشريعة الطبيعية.
مثال ذلك ان هابيل الصديق قتله أخوه. وصار ذلك الأخ مدانا بجريمة قتل. قبل أن توجد شريعة مكتوبة تقول لا تقتل.. ويوسف الصديق ترفع عن خطية الزنا. قبل أن توجد شريعة مكتوبة تقول لا تزنِ. وبالضمير وُجد في العالم الوثني فلاسفة يدعون إلي الخير والفضيلة. دون أن تكون لديهم شريعة إلهية ولكن صوت الضمير كما قلنا. شريعة طبيعية.
* * *
وكما أن الضمير يمكن أن يتوقف في بعض الأحيان. كذلك يمكن في أحيان أخري أن يخطيء الضمير..!
فالضمير الذي يلزم الابن بأن يقتل قاتل أبيه. ويأخذ بثأره. هو ضمير يبرر القتل بل يدعو إليه. ويبكت الابن إن لم يثأر معتبرا نفسه مقصرا في حق دم أبيه. وبالمثل الضمير الذي يدعو إلي الثأر من أجل العِرض والشرف. فيقوم الشخص بجريمة قتل. وهو مقتنع تماما أنه بذلك يغسل شرف الأسرة من العار.
كذلك ضمائر من كانوا يؤمنون بالمبدأ المكيافيللي "ان الغاية تبرر الوسيلة" فضمائرهم تساعدهم علي ارتكاب أخطاء كالكذب والخداع أو كالوقيعة والدسيسة للوصول إلي أهداف يرون أنها سليمة أو سامية!.
والأمثلة في هذا المجال كثيرة. قد نذكر بعضها في حينه.
* * *
والضمائر علي أنواع: فهناك ضمير صالح. وضمير منحرف.
ضمير ضعيف متساهل. وضمير قوي حازم لا يسكت عن الحق
وهناك علي حسب تعبير علماء النحو: ضمير غائب. وضمير مستتر. ويوجد ضمير واسع يقبل الكثير في تساهل بلا تدقيق. وعلي عكسه ضمير ضيق يصل إلي الوسوسة. فيظن الخطأ حيث لا يوجد خطأ. أو أنه يكبر الأخطاء ويضخمها. ويصل بصاحبه أو بغيره إلي عقدة الذنب Sense of guilt ويمتزج الضمير هنا بمرض نفسي.
أما الضمير الصالح فهو مثل ميزان الصيدلي في تحضير الدواء من مواد معينة: إن زاد بعضها يضر. وإن قلّ يضر. وهكذا يحكم هذا الضمير بكل تدقيق وبكل عدل.
* * *
الضمير تؤثر عليه عوامل متعددة: تقويه أو تضعفه. أو تغير مساره. أو تشكّل أحكامه
فهو يستنير بالمعرفة السليمة وبالتوعية والوعظ. بينما يُلقي عليه ضباب وتتغير نظرته بسوء القيادة. وتتنوع ضمائر الناس بالنسبة إلي البيئة والتقاليد. وتختلف نظرتهم إلي الخير والشرّ.
المفروض أن الضمير يقود إلي الخير. ولكن ما هو الخير؟
هنا يختلف الناس في تعريفه. فيختلف الضمير في حكمه!.
مثال ذلك: طبيب يشفق علي امرأة فيجهضها. أو يقوم بعملية ليستر فتاة فقدت بكارتها. أو يكتب شهادة مرضية لغير مريض ليبرر تغيبه عن عمله.. وفي كل ذلك لا يتعبه ضميره ولا يبكته. بل علي العكس يشعر أنه قد عمل خيرا يبهج به قلوب غيره!.
إن عدم تبكيت الضمير علي الخطأ يدل علي خلل في موازينه. أما فرحه بالخطأ. فيدل علي انقلاب في القيم عنده.
* * *

الصوم - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الصــوم

عموميته :

 لا يقتصر الصوم علي كونه جزءاً أساسيا من العبادة في اليهودية والمسيحية.. بل إنه معروف في كل ديانة. حتي في الديانات الوثنية والبدائية. والتي لا تؤمن بالوحي.. مما يدل علي أنه بلا شك كان معروفاً منذ القدم قبل أن يفترق الناس.
والذي يقرأ عن البوذية والبراهمية والكنفوشيوسية. وعن اليوجا أيضا. يري أمثلة قوية عن الصوم. وعن قهر الجسد لكي تأخذ الروح مجالها. والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضا.
وفي حياة المهاتما غاندي الزعيم الروحي الشهير للهند، نري الصوم من أبرز الممارسات الواضحة في حياته. وكثيرا ما كان يواجه به المشاكل وقفت ضده في حياته..
وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات الروح التي كانت محتجبة وراء الاهتمام بالجسد. وقد عاقها الجسد عن الظهور. ولم يكتشفوها إلا بالصوم.
ويري الهندوس أن غاية ما يصلون إليه من جهة مستقبلهم الأبدي. هو حالة "النرفانا" أي انطلاق الروح من الجسد للاتحاد بالملأ الأعلي وهذه لا يمكن أن يدركوها إلا بالنسك الشديد والزهد والصوم..
ويرون أن الروح تنطلق من رغبات الجسد ومن سيطرته. بتدريبات شديدة من الصوم. لكي تصبح روحا قوية تصل إلي بعض طاقاتها الطبيعية التي تنمو وتصل الي مستوي معجزي أو فائق الطبيعة.
وكثير من الناس لا يكتفون بالأصوام العامة المقررة عليهم. بل أنهم يفرضون علي أنفسهم أصواما خاصة في مناسبات معينة في حياتهم. وأمام مشكلات خاصة يرون أنها لا تحل إلا بالصوم.

في الصوم يتذلل الانسان أمام الله. ويطلب رحمته وتدخله:

وذلك حينما يري الأبواب مغلقة أمامه ويري مفتاحها هو الصوم. بالصوم يصرخ القلب المنسحق إلي الله. فيسمع الله ويستجيب.. فترة الصوم هي أيام يقترب فيها الناس إلي الله. ويشعرون بقرب الله منهم. يستمع إلي حنينهم وأنينهم. ويعمل.. إن صراخ القلب إلي الله. يمكن أن يصدر في أي وقت. ولكنه في الصوم يكون أعمق وأصدق وأقوي.
لأن الناس حينما يكونون منصرفين الي رغباتهم وشهواتهم. ومنشغلين بالجسد والمادة يشعرون بأنهم بعيدون عن الله. وليست لهم دالة يطلبون بها شيئا. ولكنهم في الصوم يشعرون بالقربي، فيطلبون.
-------------------------------------- 

الشيطان - لمعلم الاجيال قداسة البابا شنودة الثالث

الشيطان نشاطه وصفاته


نشاطه
الشيطان لا يعمل وحده. إنما له أعوان وجنود كثيرون. ندعوهم أيضاً شياطين. والشياطين هي أرواح شريرة. تنشر الشر علي نطاق واسع. وهي - كأرواح - لا تُري. ولكن تُدرك بعملها. وهي دائمة العمل. لا تهدأ من الجولان في الأرض والتمشي فيها. تلقي بذرها في أي موضع.
والشياطين أقوياء. وكثيراً ما ينجحون في عملهم
لقد استطاعوا أن ينشروا الوثنية في العالم أجمع
ومر وقت كان فيه غالبية أهل العالم يعبدون الأصنام. وبعضهم يعبدون النار. أو يعبدون الشمس. أو الأرواح. ووقعت الدول والشعوب أيضاً في تعدد الالهة. ورفضوا الاله الواحد. وحاربوا كل من يؤمن به.
***
واستطاع الشيطان أيضاً أن يوقع العالم في شكوك عقائدية منها الإلحاد. وانكار وجود الله. أو رفض هذا الاله.
بأن نشر فلسفات ضد الدين. ليس في العالم القديم فحسب. بل في عالمنا الحديث أيضاً. فالفلسفة الشيوعية أنكرت وجود الله. وبعض منهم ادّعي أن الله الذي يعبده المتدينون. يعيش في برج عاجي. لا يهتم باحتياجات الناس. ولا يبالي بالفروقات الكبيرة بين ثروات الأغنياء. والفقر والعوز لسائر الناس. فرفضوا هذا الاله.
***
كذلك أمكن للشيطان أن ينشر الفلسفة الوجودية.
وكأن شعار من يعتنقها: إنه من الخير ان الله لا يوجد. لكي أوجد أنا.. أي لكي أتمتع بالوجود كما أريد. في حرية لا تقف ضدها وصايا الهية ولا قيم أخلاقية. وبهذا الفكر أمكن للشيطان أن ينشر الإباحية.
وما أكثر الشكوك التي نشرها الشيطان حول أصل الوجود. وحول الخليقة. وحول قيامة الأموات والعالم الآخر أو الحياة بعد الموت. بمهاجمة الدين عموماً. والادعاء بأنه أفيون الشعوب!!
***
وكما تجرأ الشيطان علي العقائد. هكذا تجرأ علي الأخلاقيات.
وحالياً ما أوسع عمله في نطاق الشذوذ الجنسي Homosexuality حتي أصبح هؤلاء الشواذ يجاهرون بوجودهم في غير خجل ولا حياء. ويطلبون أن يعترف المجتمع بهم كما هم. وبأن تكون لهم حقوق يطالبون بها بل انهم يكوّنون جماعة من المافيا تهدد من يعاديها. حتي من رجال القضاء أيضاً.
***
ومن أمثلة ما نشره الشيطان ضد الأخلاق جماعات الهيبز والبيتلز
وما قاموا به من إجرام وشرب للدماء.
كذلك سمعنا قريباً عن الجماعات التي تؤمن بعبادة الشيطان. مع ممارسات معينة. وتعلن عن ذاتها. وإذا ما حوكمت. يدافع عنها البعض باسم "حقوق الانسان"!!
يضاف إلي كل هذا انتهاكات كثيرة للفضيلة تطلق علي ذاتها أسماء كثيرة. وتجد رواجاً وسط الطبقات "الراقية"!
***